في هذا الركن تجد مجموعة من إبداعات الأدباء العاملين بالموقع وكلّها إنتاجات أدبية منشورة بالكتب ولا يسمح بالإقتباس  منها دون ذكر المصدر.

تأليف الروايات عملنا

مقتطف من رواية إيليا وأحمد العربي
يمكنك أن تدير الحوار في رأسك وأنت تدخل أحشاء الطّريق الضّيّق عائدا إلى البيت، امض لمشاهدة التّلفاز قرب المطبخ، لا شيء أفضل من تلفاز بالألوان ومطبخ وعى جميع الألوان، لا ينقصك إلا فتاتك الفاتنة، فاتنتك… ثم ماذا يمكنك أن تجني بعد طول حرث في صفحات هذه الرّسالة، أحداث عن حياتي أنا، ومن أنا بالنّسبة لك؟ لست إلا كما تمنّت العذراء أن تكون: “نسيا منسيا”، أنا صفر على الشّمال في حياتك ولا فاصلة عن يمينها، أنا عدم ينثر غبار الفناء، لا حياة لي إلا ما تنفخه عيناك فيّ من روح حين تمرّان على هذه الكلمات…

قف لحظة، ما هذه الرّوح الكريهة التي تبعثُني بها؟ نَفًسُك بقدر ما يحييني يخنقني، تنشرُ الأحرف بمشقّة وترجو إغلاق الكتاب لِتُميتني من جديد، لتُحيلني إلى عدم كما أنا في حياتك، ليس هذا غريبا عليك، فكونك من البشر يجعلك جديرا بكلمة قاتل… أنت قاتل متى أغلقت الكتاب.

لم لا تُغيِّـر أسلوب القراءة؟ كيف تجهد نفسك في مواجهة كتاب؟ هل أنت عربي؟ لا بأس عليك إذن، اطمئن ولا تقلق من الكتب فهي لن تؤذيك بقدر ما يؤذيك هجرها… غيّر منهج القراءة لأصحبك في رحلة لن تعود بعدها أنت، أريد أن أخبرك، أريد أن تخبرهم أن عذراء طرقتها الزّمر ولم تزل بتولا، غشيها من الرّجال، ومن أشباه الرّجال ومن المخنّثين ومن غيرهم وأحيط بها كما الهالة بالقمر و لم تزل تنجب فيموت الولد، وتتزوّج فيفنى الوالد، ثمّ تجد نفسها كما كانت دوما، عذراء أرملة… كيف أخبر أخي وأبي وعمّي وعشيرتي، كيف أُعلم أصحاب تلك الشّوارب الطّويلة والعضلات المفتولة وهم يحملون البنادق ويعاقبون دورياتهم على الحدود، أن بابي مفتوح لكلّ طالب هوى ورامٍ قضاء ليل؟ كيف أجهر في أذن جيوش القبيلة التي تحمل السّلاح من زمن عين جالوت إلى النّكبة والنّكسة، وتشحذ الذّخائر وتلمّع الأسلحة أن حسنائهم يغشاها الرّجال دُجى ويقيمون عندها نهارا؟ كيف أخبر العالم المُتشفّي أن شرفي لم يعد مُشرّفا… كيف أخبر طلقات الرّصاص الصّدئة في البنادق العتيقة أني أبسط كلّ مساء رجلاي إلى منتهاهما لأرضي صاحب قبعة؟ كيف تدرك تلك المدافع التي تنشر الرّعب في القلوب كلّما أهلّت رمضان، بأن عذرائهم لم تعد عذر…؟
كلّا لا أزال عذراء، لكن رائحة النّجاسة تفوح من كلّي. نعيش أنا وأمي التي تقيم معي في منزلها، هنا من سنين لم أعد أذكر عددها لطول العهد، هي أكبر مني وولدت قبلها.

عزيزي القارئ “اتفقنا سلفا على معنى كلمة “عزيزي”
أنا وردة بيضاء استحال وجهها أصفرا قريبا من السّواد، ذنبي جمالي، فأنا شقراء وشعري الأزرق أحمر يميل إلى لون الليل مع بياض فاتح. وجهي المستدير كالبيضة والمدحو كالمكعب يبدو مشرقا مع وجنتين حمراوين تتجلّيان في لونهما الأخضر القريب إلى لون قهوة صباح أسرة معوزة. بشرتي شاحبة كالمريض وفاقع لونها كحال بقرة بني إسرائيل، لن أطيل فأنا كلّ الألوان وأنا جميع الأوصاف، أنا كما تريد، أنا نسج على مقاس خيالك. شريعتي، عقيدتك… أنا مسلمة من أم يهودية، أبي نصراني ظعن عنا قبل أن تحبل أمّي، كان جدّي وثنيا، وزوجته الثّالثة مجوسية، وجدّتي عاشت في الفترة، وعمّي يعبد البقر في الشدّة ويأكل الجبن في الرّخاء، أمّا خالي فخال من الرّق منطلق المنهج ويسجد للكواكب في الضّيق.

أنا كلّ الدّين، أنا لا دين، أنا جميع الملل، هكذا صرت بعد آلاف السّنين من الفجور في حجري، لا أملك دفاعا غير الحجارة ودعوات العاجزين في السّجود وتحت أجراس النّواقيس، أنا أحلام كلّ من سمع بالشّرف، أنا من يطرق أفكار كلّ ذي نخوة حين يضع رأسه على وسادة المساء، أنا حياة ميّتة، وأنا الموت وتحتي الفناء، على جنباتي القتل، شهيقي هرج وزفيري أشلاء صغار ألُفّها في كفن المقاومة وأهديها قربانا للأمم المتفرجة علّها تقبل بضاعتي المزجاة… وتستقيل. أوقن أنّها لن تفعل لأنّ جامعة الدّول العربية لن تقوى على الشّجب والإعراب عن القلق منفردة…

https://www.amazon.fr/%E2%80%AB%D8%A5%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-Arabic-Novel%E2%80%AC-ebook/dp/B07KGJ78QF/ref=sr_1_1?__mk_fr_FR=%C3%85M%C3%85%C5%BD%C3%95%C3%91&keywords=%D8%A7%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D9%88%D8%A7%D8%AD%D9%85%D8%AF&qid=1576425629&sr=8-1
مقتطف من قصة “الفامبير”

بدأ يلمح خشونة أصابعه، صار على يقين أنّ تحت تلك الأنامل النّاعمة و خلف تيك الأظافر التي أنفق مئات الألوف لتلميعها وتنميقها، مخالب، وليس إلا أن يُستفزّ حتّى تبرز وتتقن لعبة القتل. أنكر نفسه ويمّم الحمّام علّه يزيل عنه رائحة الدّم التي لا يستنشق غيرها، خلع ملابسه الأنيقة، وفتح الحنفيّـة وحفن مدّ ماء ساخن نثره على قفاه ثم عمد إلى صابون “فربينا” المنعش فلطّخ به وجهه وشرع يفرك بقوّة ويتخلّل تجاعيده كمتوضئ شيعي متشدّد، غسل وجهه ثلاثا كسنّي، وأفرغ على بدنه من الماء ما يكفي لتطهير حيّ كظاهري، اغتسل على شتّى الطّوائف علّه يصيب أجرا حين يوافق مذهبا. أذاب قطعتين من الصّابون الفخم بكل أنحاء جسمه وكأنّه ينوي دخول الإسلام ويخشى عدم القبول مع رائحة الدّم، أنهى فرضه والصّابونتين وقنينة من ملين الشّعر وبضع مئات من لترات الماء السّاخن ليغيب وسط منشفة تغوص فيها الأيدي، تنشّف مرارا قبل أن يجلس أمام مرآته العاجية، تفرّس في وجهه كعاشق يقع على خليلته بعد بيْن، تناول عطر “أنجل تييري موغلر” ومضى يفرغها، وكأنّه يطلب إفراغها، على عامّة بدنه إلى أن اكتفى، ثمّ وضع القارورة السّوداء على أنفه و قال:
–    أشمّ رائحة الدّماء.

مقتطف من قصة “الفاتح”

ينعطفُ مع المنعطف ذات الشّمال، ويرسل بصره ذات اليمين ليلمح أبواب محلّات عمّه المتوفى من أشهر قليلة، كما هو حالها من زمن بعيد، مغلًّقة : ثلاثة أبواب حديدية تُودِّع زمن الفُتوّة لتُحتضر بعد كرّ الصّدإ على ضعيفها، وحش أسود القلب والحال، يأكل الحواشي الأكثر تشرّبا لقطرات ندى الصّباح، ولا يفلح الطّلاء الأحمر العتيق كأسلحة الجيوش العربية في المقاومة ليستسلم قبل المعركة، تموُّجات وأسلاك غير شائكة و جدار فاصل غير فاصل، كلها لم تنل من عزم الصّدإ شيئا ليرسل جيوشه بأسلحة محرّمة ليل نهار، وتكتفي أسرة صاحب المحلّات بالشّجب والاستنكار. لسان حال الباب الأوّل يغرغر: لم يعد هنا مستودع البطاطس، ويهمس الثّاني: كفّ المكان عن بيع البقالة، فيما يصرخ الثّالث: لا حياة لغير الموت هنا. 
كان يستر رأسه بعمامة في لون الشّيب الذي يغزو شعره في مواقع شتّى، ويُبرِزُ مقدرته على فوق أذنيه؛ أما بأعلى النّاصية فتزحف السّنون بالصّلع دون حياء إلى أن تشرف على القفا مخلِّفة صفوانا صلدا، كان السّنا يتراقص على مقدّم جبهته كلّما أدار رأسه أو استدار هو ليلامس نورُ الشّمس، حبّات عرق لم تزل تسيل صيفا وشتاء على المحيّـا؛ غارت عيناه، ولم تبرح معاول الزّمن تدكّ المقل وترسلها لتتوارى خلف حاجبين ممتدّين من طرفيهما حتى يوشكا على مداعبة شحمتي الأذنين، ويتعانقان بالوسط فوق أنفه القاني. ترسم ريشات القرّ خطوطا قويمة تعرُجُ على فمه الواسع كلّما حرّك شفتيه. كان يرتدي جلبابه الأسود مع النّقاط البيضاء المنتشرة على عامّته دون ترتيب، في الواقع لم يكن جلبابه، كان لوالده الذي زهدت فيه الحياة وكتبت اسمه من أعوام خلت في نفس المربّع، حيث فعلت بعمّه من جمع معدودة.
من حين لآخر، يدخل سبّابته ووسطاه في ثقب بالجلباب، ليحكّ بطنه المستقيم كالمستقيم مع صدره، كانت أسماله أقرب إلى الخِرق منها إلى الثّياب. فوق حذائه الأسود الممزّق من كلا الجانبين، يتجلّى ثقبان بنفس المكان تقريبا وكأنّـهما سمة الصّانع، كان يسيل ما طال من جلبابه الذي كان قصيرا أوّل الأمر قبل أن يفكّ تكفيف حواشيه حتى أدرك هذه القامة التي لا يزال يحمدها. تمشّى قليلا قبل أن يبصر حيث رأى ابنة عمّه عائشة تقف بمنتصف الطّريق بين منزلها وبيت أخيها، كانت معاقة ذهنيا يستعذب ملاطفتها كما تفعل هي إن كان مزاجها حسنا، وما أقلّ ما يكون كذلك.

مقتطف من قصة “الباشق”

كان باسطا ذراعيه بالوصيد، يتخلّل بأنامله لحيته، كانت سوداء كليل، وتخفق غزوات تقودها شعرات بيضاء بالمنتصف وعلى الحواف في قهر الرّجولة لتجعل الباشق عجوزا، لا يزال فتيّا وقد جاوز الأربعين ببضع حجج، تقاسيم وجهه الأسمر مع ميلان نحو السّواد تفضح في غير حياء جبروت البادية، أمّا تجاعيد الوجنتين فدهماء كلّما انكمش جلدهما، وتبدي عن بياض طفيف بين الشّقوق وقتما أرسلهما ربّهما الى المنتهى في حركاته المتكرّرة وهو هائم في تخليله لحيته ومنتظرا زيارة “جورج” الذي أرخى سدول ليل الغياب.
في قرع خفيف على سطل بلاستيكي خارج الخيمة، كان الغيث يعزف ألحان فصل الشّتاء، أما العمامة البالية التي تحجب نصف أذني الباشق فلا تفلح في طرد نغمات قطرات المطر عن طبلتيهما، وحين تصير الزّخّات وابلا وتشرع حبيبات الرّمال في الذّوبان حتى التّلاشي عن حواشي خيمته، لا يجد الباشق مناصا من ضمّ كفّيه كعاجن خبز الصّباح ليعتمد عليهما وقد همّ بالقيام، يرفع السّتار ويقدّم مقدّمة رأسه كيما يستنشق نسمات الرّبيع، يُطرق نحو الأفق ليجد الشّـمس تسفع البيداء بأمساد من نار، يُرجع بصره كرّتين ليدرك أن أوتاد الخيمة تتهاوى بهزيم رياح الخريف، وهكذا تحول على الباشق السّنون، مترقّبا عيادة “جورج” الذي يتمادى في كلّ قدمة.
إذا صُرِفَ بَصَرُهُ تلقاء اليسار، ألفى ثمرا وحليب ناقته البسوس، وإذا صَرَفَ بَصَرَهُ يمينا تأمّل أصنافا من “الهمبرغر”. يتنحنح قليلا ويدخل يده في جيبه ليتناول سيجارة “ماركيز”، يفنيها ويعقبها ثانية وثالثة ولا يكفّه إلا خوفه نضوب الذّخيرة خاصّة بعد غياب صاحب التّموين. يحلُّ بفكره طيف”جورج”، فيطاوعه اللسان وتخرج الحروف الأربعة ليسمع حسيسها داخل الخيمة، يتأوّه مرارا على ذات النبرة: آه يا “جورج” بالغت أخي الحبيب. ينهشه البين طويلا قبل أن يستلقي على حصير فوق بئر بترول. أزف اللقاء ويستنشق الباشق نسائم العودة، خيال”جورج”يحوم بأركان الخيمة، ليست هلوسة، هو على هداية لا يهذي، وإنّه ليجد ريح “جورج” في غير تفنيد.
مع الضّحى يباشر يومه بسيفه، يستلّه من غمده ويفني كثيرات من بنات الزّمن في صقله، لا يزال يسترجع معارك أسلافه، يعيش مع الفتوحات وينتصب مع حماسة تفكيره.يحاكي “دون كيشوت” بعيدا عن طواحين الهواء، يبارز العمود ولا ينهي كرّه إلا حين يصير من المحال الجلوس في الخيمة وقد رُزِئت عمودها، يمضي بعد الغزو سويعات في إصلاح ما أفسده بطشه، وأحيانا يعضّ أنامله غيظا وهو يعيد:
–    ˝إنا فتحنا لك فتحا مبينا˝.
يرى نفسه واقفا أمام قبّة الصّخرة بعد الفتح، وتنسحب الجُمع تتلوها الفصول لتجرّ معها السّنين بحبل الأماني والباشق مضطجع  على بئر البترول، حبيس خيمته ورهين أفكاره، ما يميزه عن الجمادات إلا تحريكه سبّابته وإبهامه ليبرم بهما طرفي شاربه المسبل، ولا بوْن بينه والعجماوات إلا همس خفيف حين تفيض خواطره بمكنونه مترقّبا بين ذلك تفقّدات “جورج”… آه يا “جورج”.

مقتطف من قصة “رزان”

أفني السّاعات في خياطة نفس الرّقاع إلى أن مسّ الجوارح اللّغوب وتبتُ إلى الحجرة حيث إزار أبيض هو أقرب إلى الكفن منه إلى غطاء، استلقيت على السّرير وحاولت حملي على غفوة، كان إسحاق مكانه على الطّاولة، وكان صوت الصّمت القادم من خارج البيت كفيلا بجعل طنين الذّباب مرتفعا، لم يحن أوان النّوم بعد رغم أن السّنة تراودني في استحياء طفيف كعفيف شبق، أغمضت العينين فرأيتها تجلس على السّطح تضع حاسوبها على فخديها النّاعمتين، تكتب تقريرها اليومي، تنظر بين الحين والآخر إلى سقف عموده غصن شجرة لا أعرف أصلها، وعن يمينه كما عن شماله، تتدلّى قطع خشبية على الحواشي لتضرب موعد لقاء مع قضبان رفيعة من الخيزران، بالدّاخل حيك حصير بلاستيكي على الجانبين ودار حتى لم يفلت من قبضته إلا باب مفتوح ليل نهار، كانت الفتحات بعدد النّجوم، وتسيل ريّاح من الباب لتخرج من حيث تشتهي في جولات متلاحقة لا متناهية. بالوسط، كانت تجلس مائدة على ثلاث سيقان خشبية صنعها نجّار. “رزان”، هذا هو اسمها، عيناها أمل حالم، وتحريكها أناملها لتُحيل الأزرار إلى كلمات، مرور “فانسون فان غوخ”على قماش أبيض فصل الرّبيع، كانت تمضي أغلب وقتها في هذه الخيمة فوق السّطح حيث يطيب لها المقام، ويسمح لها علو البيت من مراقبة المدينة الممتدّة مدّ البصر، تطرق نحو الأفق لينطلق بصرها مع الطّريق المعبّد نحو الوادي الذي جفّ من زمن كانت صغيرة بضفيرتين وملابس العيد، لم يعد يتجلّى من ذلك الزّمن إلا طيف يزور في الشّتاء، لتمنّي النّفس بغيث وافر في القابل. تلطّخت بالطّين في ذلك اليوم الماطر، وحمل السّيل هموم القرية ليلقيها في الوادي الذي يسير إلى منتهى الأرض، حملها أبوها على كتفيه وأشار نحو مصب النّهر حيث أشجار تتكاثف عند الغروب وهو يقول في صوت واعظ:
–    من هناك يأتي الخطر يا “رزان”.
لم تكن تعرف حينها الفرق بين هناك وهنا، كانت كلّها في قاموسها البريء أسماء للإشارة لا تختلف حتى في الإعراب، أما كلمة خطر، فلم تكن بلغت من العمر ما تدرك به أن تلك الحروف الثّلاثة قرناءُ سوء إن اجتمعت، أمّا اليوم، فقد جاوزت العشرين وأدركت الفرق بين أسماء الإشارة، لتعيش مع الخطر. مات والدها، قتله الخطر، قتله هناك، هناك بعيدا حيث كان مصبّ النّهر، وحيث كانت تنمو أشجار كثيفة ليلا، أما اليوم، فلم يعد بها استحياء، وصارت تنمو ليل نهار أمام أنظار الشّرطة السّرية التي تجاوز الغابة لتسّجل مخالفة القيادة بسرعة مفرطة على سائق درّاجة عادية كان يرعى الغنم عند الجبل.
كانت الغابة كثيفة، مهيبة، مخيفة إلى حدّ بعيد، وكان “الغول” ساكنها الوحيد، كان برؤوس شتّى، يلتهم الصّبيان والعجائز، ويمضغ بأضراس طويلة مدّ البصر أشاوس الرّجال الجالسين على كراسي خشبية بمقهى “ابن الجيلالي” منتظرين عودة زوجاتهم بالحطب عند المساء.

مقتطف من “رأيت حلما”



وكانت نسائم نيسان تربو بتعاقب الجُمع، تستظهر ببنات الزّمن لتقاوم في معركتها الأزليّة غمام الشّتاء، توهنها، تلهو بها، ثمّ تحمل عليها لتخلفّها خبرا، يشمخ ما خفّ منها ويهون ما ثقُل، تتبعثرُ السّحب بطرفي السّماء وتعوي الرّياح بينهما، تَبَخْتَرُ في البرزخ وتَحُول حدودا، تُفرِّق النّسيبات التي كفّت دموعها مع شتاء آذار  .تقْطًعُ الوِصال وتُقًطِّعُ الأوصال، تحاول السّحب المترامية على الأطراف مدّ حبل القربى فتجزّه الرّياح، تتصبّر الثّكلى أيّاما ثمّ تعيد الكرّة، تطمع في أجر زيارة ذوي القربى فتُزمجر الرّياح وما تبالي غداة تصدّ كلّ طارق. تتوسّل السّحب المثقلة:
–    بالأعلى تركنا ذرّيّة ضعافا نخاف عليهم.
تصعِّر الرّياح خدّها وتجيب في صوت جهوري:
–    فلتتقوا الله ولتقولوا قولا سديدا.
تُحاجُّها بلسان فصيح، وإن تمادت السّحب، استلّت الرّياح سيوف العويل فلا تبرح تهوي بالغمام إلى مكان سحيق حتى يصير كعهن منفوش، تشكو المكلومة إلى الله ضعف قوّتها وقلّة حيلتها وهوانها على الرّياح، وتتوعّد وهي تتجرّع مهل الخيبة بشتاء قابل. تبرز صفحة السّماء في لونها الأزرق صافية لتضفي لمسة نور على براعم أطلّت كفضولية من تحت الثّرى، جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ، كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَه، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.
على تماسّ مع معركة السّماء، حيث كرّ وفرّ على تعاقب الفصول بين الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض،  زمرة ملكية من أسود آسيوية وأسود “التّرنسفال” وأسود غرب إفريقيا وغيرها كثير، تأكل ثمار المدينة المنوّرة، تغدو ذات اليمين وتروح ذات الشّمال، لا حدود على الحدود، لا أسلاك شائكة ولا جدار فاصل ولا معابر تدخل الرّصاص ومساحيق التّجميل، لا سدود بين الأسود، تختلف ديانتها وتتباين لغتها، لا يجمعها إلا موسم حصاد ثمار المدينة، ولم تكن تبالي بالحج إلى البيت الحلال. يمضي الأسد البربري من شمال المحيط الهادئ بهدوء، يلقي تحية الصّباح على “الكرملين”، لا يسأله أحفاد قادة الجيش الأحمر عن جواز سفره. يجاوز “بروكسل” في غير غفلة من الأمانة العامّة للاتّحاد الأوروبي، يحتسي كأس الضّحى مع المفوضية الأوروبية، و بعد يسير مقام، يُودّعها دون أن تطلب هويته ليغوص مُتَّقِيا حرّ الظّهيرة شمال المحيط الأطلسي. يرفع رأسه على مشارف أمريكا، يتنزّه في حديقة البيت الأبيض ويتناول “الأيس كريم”مع أعضاء من “البانتغون” ليمضي بهدوء  إلى المحيط الهادئ، يعيد الرّحلة وهو يتساءل عن جدوى حمل بطاقة هوية، فليس ثمّة كثير أو قليل تفتيش، ثمّ هو مواطن من فصيلة الأسود، وكلّ أرض الأسود للأسود، ولا حاجة إلى قنصلية لاستخلاص تأشيرة.

مقتطف من “غير محكوم بالإعدام”

في غفلات منها، كنت أتهادى كثمل بجدران البيت لأختلس النظر إليها، أشتاقها وهي معي، مرات هي التي اصطدمت فيها جيوش نظراتي بسرايا عيونها عند ساحات فتحات الباب، وكلانا يرشق صاحبه بسهام مُسَّنة من مقل غارق في يم العشق، تُردي تلك الأسلحة مرسلها قبل أن تنال من العدو الحبيب، نُحيّي بعضنا بابتسامات ثم نتوارى في حياء. لا أريد لها أن تغادر مقلتي، ولو ملكتْ لأسكنتني سواد عينيها، أسمع بكائها ليل نهار ولا أذكر أني فاجأتها إلا شاكية تندب تحايل الزمان وهذا الخطب الملمّ، كنت أظن أنها تحبني لكن ما كانت تكنّه لم يكن كذلك. كان أكبر بكثير، كانت مشاعر من عالم آخر، كانت أحاسيس لا يشعر بها بنو آدم.

مقتطف من قصة “هـمّـــــــــــــام”

أسرج أحمد جواده وركب مع الرّياح، أبحر في رمال جامدة أشبه ما تكون بالعدم، أحقاف تسيل فوق بعضها. كانت عواقب الزّمن تطمس وتبدي كما تشتهي في أرض ليس فيها حي عدا الموت، تُـذيب أشعة من نار وجه أمل بنجدة عن قريب، فيضرب بمقدمة قدمه مؤخرة جواده ليحثّه على المسير، يضع المتعب حوافره الهوينا على أرض تتنكّر لكلّ خطوة، يرى الفناء فيحجم، ويحفرُ رأسُ حذاء أحمد العربي مؤخرته فيتزحزح عن مكانه مكرها. تاه بعد مسير فصول ليرتفع مع التّـلّ حيث كانت رياح الشّمال تهبّ خفيفة، تداعب بأنامل العشق خدود الصّحراء، تجرّ فرشاتها بأمهر من “دافينتشي” لترسم على كثبان بئيسىة خيوطا رفيعة من أمل منفي، تنساب حبيبات مع الرّياح، تطيعها إلى ما تدعو في غير مقاومة، تسايرها عند السّهل، وتتخلّف صعودا لتسبقها منحدرة، تتعانقان أيّـاما وليالي آمنين، ولا يفصل فاصل بينهما عدا ما كان من أحراش حيث تتخلّف الحبيبات وتودّع الريّاح إلى القابل، تقطع أشجار دون المتر استوطنت المكان دون منازع الطّريق، وتغدو كقراصنة صحراوية لا يجاوزها إلا يسير من رمل وما مرّ من أكياس بلاستيكية من بعيد، أما غيرهما فكانت أغصان شعتة تعضّ عليه بالنّواجذ ما تخلّفه حتّى يأكله مَسَدُ شمس آب،  فتذروه هشيما في غير نظام على وجه الفلاة، ترتحل بعيدة بسنة، تصرم حبل القربى وتخيّم شهورا قبل أن تحملها رياح الجنوب من الجنوب، تضعها في سلّة المهملات وتجرّها على أرض تُطبع عليها خربشات الرّمال ما يُلَـيِّـنـُها إلا أثر أفعى مجلجلة تمشّت من قريب بأرض الموتى، يفرك أحمد عينيه ويلقي حبل حصانه على غاربه، ينظر صوب الأفق حيث المجهول، ليس واثقا بعد، لكن يبدو المكان مألوفا وأكيد أن النّخوة ما تزال تقيم هنا من زمن الفترة، ينادي بأعلى صوته:
–    وا مجيراه.
يصرخ تلقاء الجنوب، وتذهب رياحها بصوته نحو الشّمال، يمضي ليله في العويل قبل أن يرى كوخا منتصبا بمنتصف البيداء،


0 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *