بهذا الركن يمكنك الإطلاع إلى مجموعة مختارة من قصص وروايات وخواطر وغيرها

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

“جبران”

كانت ثياب الليل تنسلّ مع تنفس صباح يوم جديد. ريح رُخاء لم تزل من ثلاث تداعب الحشائش التي تنبث في غير استحياء على حاشيتي الممرّ الضيّق الموصل إلى الباب الرئيسي. تنحني البراعم حين يطبعُ عليها النّدى قبلة مودّة ليسيل ريقه حتى يفيض على جذوع ناعمة لا ترى النّور إلا مع انحناء قممها في هكذا وقت. يبتل الثّرى ويحفظ رطوبة تحمدها الوريقات إلى أن يُعلن حرّ الضّحى تبخّر القطرات في الفضاء لتغيب إلى غد قابل. عقارب ساعة اليد، التي تزيّن معصما أبيض لا ير الحرور إلا لماما، تعلنُ السّابعة وثلاثين دقيقة. خطوات جبران” تتعاقب لتأتي على السّبيل حيث يشمخ الباب الرئيسي “لجامعة شيكاغو، مع تلك الدائرة الزّرقاء ذات المربّعات المرسومة بإتقان بأعلى المنتصف. كان اليوم عاديا، أو هكذا يبدو على أيّة حال. حين أدرك الشّيخ الباب صعّر خذّه لينظر تلقاء اليمين. شرد الفكر كي يقرع أبواب الماضي البعيد. عاد بالزّمن عبر الزّمن إلى ذلك اليوم. فرك ميمنة رأسه بأنملة سبّابة اليد اليسرى وهو يرسل تنهّدات عميقة. شهيق يحمل بدل الهواء ذكرى سحيقة، وزفير يطرد الحاضر ليُبقي الماضي بالصّدر. همس لنفسه في صوت خافت وكأنّه يرغب عن فضح مكنونه:
سنوات وسنوات جعلت منك ما أنت عليه الحين يا “جبران
يرسم على ثغره بسمة طفيفة كعذراء في خدرها تعلن الموافقة في استحياء ثمّ يهمّ بتحريك جسده عن المكان

“التّوحّد”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

كان التلفاز يرسل ألوان رسومه المتحركة لتصل إلى عيني “طارق” الذي جلس في ركن الغرفة المغلقة الباب، يفرك من حين لآخر رأسه بأنامله النّاعمة في قصد أحيانا وفي غير قصد آونة أخرى. بصره شاخص في التّلفاز على ما يبدو لوالدته التي تتفقّده في دورياتها المتعاقبة ليعتصر قلبها سكونه المُريب، النافذة يخفيها ستار رمادي يحجب نور شمس الصّباح عن الغرفة، لكن أشعة رقيقة تجاوز فتحتها لترسم بريق نور بالوسط غير مبالية بالستار الذي لا يفلح، رغم قوّته في كفّ تسلّل النور.
أخذ بصر الفتى تراقصُ الغبار على نغمات الضوء ليغيب عن التّلفاز ويهيم مع الألحان. كومة غبار خفيف تطوف بالأرجاء في تنظيم عجيب، تميد ذات اليمين وتختفي لتبرز عند الجدار الأيسر حيث لوحة زيتية لبطله المحبوب “المحقق كونان” تنتصب شامخة. أغمض عينيه ليجد المشهد يعيد نفسه في دقّة عجيبة. يختفي الهباء في نفس المكان ليبرز من جديد حيث ظهر من قليل. هجمت أسئلة كثيرة على قلب الفتى: هل هو نفس الغبار يظهر ويختفي؟ أم قد يكون هذا الدوران لعبة في الزمن، حيث يتكرر المشهد بين الماضي والحاضر بتناغم عجيب؟
“وجع”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

سكن الليل ولم أزل
أرقبها من سنين على وجل
لا استحي حين أعلن، و حين أكتم فلا أخجل
غريب الدار حيث أولي، وحيد أيّان أرتحل
لست من عالكم، وأمقت جمعكم المبجل
أود غفوة لا صحو بعدها، ولا حياة و لا أمل
فما يبقيني إلا عجز ولولاه لقيل أفل
دائي أنتم، سقمي أنتم، وأنتم منبع العلل
“غرام”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

رأت الخجل يعقل الحديث بوصيد فيه، أعطته مفتاح الأغلال حين جادت عليه بنظرات لن يعرفها من أنكر العشق. لزم المكان وحال بينه والتقدم ما حال بينه والتأخر. ما بُدٌّ كان يخاطب نفسه من مغالبة نفسه ليفك أسر الصمت، ويكسر قيد الخجل بفأس الحزم. أزِفَ مسافة لم يُمَنّ النفس بها سلفا. هزّ حاجبيه وتحركت وجنتاه، وهمّ بالكلام. أما هي فكانت ترقب بنات الشفاه، وبِجُبِّ قلبها موقنةً كانت من قوله حين يفضح مكنونه، بقيت الشفاه ترتجف وتستلف الشجاعة واللسان بينهما يجود بقطرات ريق شحّت في هكذا وقت، حتى بدا ثغره كأرض فلاة، وفي غفلة منه قال:…
“الحديث عن الحب”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

الحديث عن الحب آية
معك آية
جروحه تدعوا للقصاص بعناية
نقتاد من الحبيب و منّا نقتص في النهاية
فما السبيل للاقتصاص منّا بلا إذاية
إن كان جمعنا عذاب وشقاء لا هداية
فلا عشت في غير الغواية
حبك آية يا آية
“بوح”كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

بهاتفي الخلويكانت تقتل اللحظات بجانبي، ترميني بكلمات عسلية بين الفينة والأخرى، تذيب بنات الشفاه في ريقها الفاتن ثم تسقيني بها من آن لآن، لم تزل تغمس الكلمات في خليط حبّنا الأبدي، ولمعرفتها بجوعي السّرمدي لم تنفك تطعم هذا المخمص من تلك الوجبة التي تروي عروق العشق بأعماق أعماقي. أهواها وتحبّني. أعشقها ومغرمة بي، نتبادل أطراف الحديث في كل بال وحديث. كل تافه في يمّ حبّها ذو شأن، أسترق من حين لآخر في غفلة منها نظرات معجب إلى تلك العيون الفياضة بمياه الود. لم تزل تلك المستلقية على ظهرها بجانبي تتكلم عن ذات الخبر. كلماتها مرصعة بمزاح عذب يجر أعماقي نحو الأعمق، أغوص في نفسي لأبحث عنها، أتفقد كل المسام في متاهة طلب لتلك الغائبة، ثم بعد حين أتوقف عن الطلب لأجدها في كلي ، لست أملك غير قول كلمة واحدة أحبك…

“قيل وقال”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

قلت: ورود فيك، وورود عليّ من فيك وعود،
قالت: وعدي ووعيدي، ذا يرضيك، وذا يرديك،
قلت: قلبي لك، وقلّ بي ما ليس لك
قالت: قلبك لك، وقلبك لقلبك عليك
قلت: جودي بريق سواك ما لي سواك سبحان من سوّاك
قالت: أراك تريد أراكي
قلت: أرنو لشفاه أنجزت و إن جزّت فقد أعجزت.
“معكوس”

كيفية كتابة وتأليف الرويات عملنا

امتزج الأمل بالألم، تجانسا في ذات الآن وذابا في جوّ من التّرقب السّحيق. لم يعد يسمع بقاعة الولادة إلا صمت الوالد وصراخ الوالدة. كان حملها الثّـاني، وكانا على وجل من معاودة مشهد الوضع الأوّل الذي دوّن اسم الجنين، قبل صرخة الولادة، في عالم الفناء من ثلاث سنين. لم تزل الأم تعالج الألم بصرخاتها الحادّة المتعاقبة. لم يزل الأب يطارد وحش الخوف بصمت رهيب، ولم يزل الطبيب غارقا في إسعافات أتقنها إلى درجة التفنن لتكرارها بتعدد الحوامل إلى أن أعلنت صرخةُ المولود ساعةَ الخلاص.

استطلعت الأمّ الحجرة وكأنّها لم ترها من قبل، مضت تتأمل المصباح الأبيض المتدلّي من منتصف السّقف وقد أحاطت بأصله زخارف أبدعتها أنامل صانع ماهر، أجالت البصر ولم ترجعه إلا وقد نال من جلّ أركان الغرفة. بينما هي كذلك، وبساط الزمن ينسحب الهوينا، كفّت لجام العين وأرخت عنان التّـفكير تستشرف المستقبل وتغيير الحفاظات، نظرت إلى عيد ميلاده الأوّل، وجالت حول الكيك البنّي وقد كُتب عليه بحبّات اللوز «عيد ميلاد سعيد.

أطرقت، فإذا الصّغير يصرخ:

أمّي، أميّ.

أراد الرّضاع وكانت قد فطمته من يومين بعدما أتى على حولين كاملين. ضلّت تُـلهيه حتى حال اللّعب بينه وبين الثّدي وتسلّى بلعبته الجديدة إلى أن هزم الليل النّـهار وآن وقت السّرير. رغبتْ في النّوم ورغب الصّغير عنه، فآثرت ما ترُيد لما يشتهي ومضت تقرأ له بعض القصص.

أمضى سنوات بمعهد القلم الذّهبي ليصير كاتبا، وعاد ذات يوم ومعه رسالة من المدير.

هذه رسالة إليك من السّيّد المدير.

ناولنيها.

وضعها بيديه المرتجفتين في باطن كفّ أمّه، أرسل نظراته نحو تقاسيم وجهها ومضى ينظر كبلقيس بم يرجع المرسلون. فتحت الرّسالة وشرعت في القراءة بصوت عال والصّغير ينصت وقد حلّ عليه صمت خيّم على أبيه ساعة الولادة.

من السّيد المدير إلى السيّدة “حنان”، تحيّة طيبة وبعد، في واقع الأمر ولدك عبقري ونابغة وتفوق إمكانياته أساتذته، وانّي إذ أرى في نفسي خادما للأدب لأوصيك بتعليمه بمفردك فمكانه ليس هنا، مع كامل التقدير.

لم ينطق الصّغير ولم تتكلم الأم، غاصا في صمت أبدي، وكان ذلك آخر عهد له بالمعهد.

صار الكاتب العالمي، وترجمت كتبه إلى لغات شتّى، ضاق عليه العش الصّغير فغادر الأم وخلّفها وحيدة بعدما هجرها الزّوج إلى دار البقاء. ذابت الأيّام والشهور ولم تصل أيّ رسالة من الكاتب الكبير إلى العجوز التي لم تنس ألم الوضع بعد، كانت تُـفني أيّامها القليلة المتبقّـية في انتظار ولدها الذي صار كبيرا الآن ولم يعد صغيرا إلا في عين أمّه، ثمّ في كل ليلة ُتخرج قصصه القديمة وتشرع في قراءتها وقد بسطت ذراعها وكأنّـه يتوسّد عضدها.

لم يعد الكاتب الكبير إلى حين توصّل برسالة غير مختومة من أحد الجيران، كانت أمّه قد آثرت اللحاق بالزّوج، وقد أسلمت الرّوح من قرابة الأربعة أشهر.

عاد هذه المرّة وهو يسترجع شريط الذكرى، كان الغمّ الذي اعتراه لهجر تلك العجوز مخيفا، مضى يقـبّل ملابسها ويضع رأسه تحت حذائها الممزّق ثمّ أخرج حقيبتها الخاصّة، تأمّل وتألّـم لساعات ليلاحظ أن رسالة مدير المعهد لم تزل بين حاجياتها الغالية. فتحها وشرع يقرأ…


0 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *